أين نحن من الأقنعة اليوم؟

February 25, 2025

يقف رجلٌ بظهره للمدينة، وقناعٌ في يده يُحيِّر الناظر: هل هو على وشك خلعه أم ارتدائه؟ هكذا نلتقي بتمثال إسماعيل فتّاح "رجل وقناع" في دارة الفنون، فنلج عالم الأقنعة الذي شغل هذا الفنان العراقي، ونبدأ بمواجهة أسئلةٍ حول الهوية والإنسان، والظاهر والباطن في آنٍ معًا؛ فأين نحن من الأقنعة اليوم؟


قبل فترة، سمعتُ أحد الزوّار يشرح لمجموعةٍ من الناس أنّ هذا التمثال يحاكي لحظةً أُعيدت فيها صياغة هوية عمّان في أواخر الثمانينيات، مع التغيّرات التي طرأت على بنيتها الاقتصادية، وأنّ القناع هنا يدلّ على إعادة بلورة الهويّات السياسية بين الفضاءين العام والخاص. ومع أنني أشكّ في أنّ هذا ما قصده الفنان فعلًا، خصوصًا أنّ العمل لم يُخصَّص أصلًا لهذا المكان، فقد لفت انتباهي كيف يمكن للتمثال، عبر عناصره، أن يكتسب دلالاتٍ جديدةٍ تتوافق مع موقعه الحالي، كما أن الموقع ذاته قد يضفي أيضًا على العمل دلالات جديدة. فهناك أعمال تظل منفتحة للحوار، وغالباً ما تسلك مفرداتها البصرية مساراتٍ خاصة بها، متجاوزةً أحيانًا نوايا الفنان.


كان لاسماعيل فتّاح اهتمام كبير بالأقنعة والوجوه، وربّما استوحى ذلك من الحضارات العراقية القديمة، بالإضافة إلى ما تحمله الأقنعة من رموز تعكس تنوُّع الهويّات وتعدّد الحالات الإنسانية. لا أعرف على وجه الدقّة ما الذي كان يريده من هذا العمل تحديدًا، أو من اشتغاله بالأقنعة عمومًا، لكن غياب الشرح النصّي يفتح أمامنا أفقًا رحبًا للتأمّل والتفسير.


اليوم، حين نراه موجِّهًا وجهه إلينا وظهره للمدينة، نشعر أنّه يقف على عتبة فاصلة؛ قد يكون عائدًا من المدينة وقد تخلّص من شيءٍ ما، أو ذاهبًا إليها متنكّرًا. ويتبادر إلى الذهن سؤال: هل القناع في هذا العمل مجرّد رمزٍ أم أنّه حقيقةٌ واقعة؟ ومن هذا السؤال تتشعّب تساؤلاتٌ حول علاقة المادة بالفكرة والمفهوم، وحول ما إذا كان القناع قد اكتسب هنا دلالاتٍ جديدة، أم أنّنا ما زلنا نتوارث المفاهيم القديمة لكننا نعيشها اليوم بطرق مختلفة.


تختلف النظرات إلى الأقنعة بطبيعة الحال؛ فهناك من يراها رمزاً للخداع أو الازدواجية أو حتى الخبث، وهناك من يجد فيها وسيلةً لحفظ مسافةٍ بين الظاهر والباطن. على الطرف الآخر، يرى البعض أنّ القناع قد يعبر عن الباطن ذاته. كما يعتبرها آخرون أداةً مسرحية للتنقّل بين الأدوار، أو رمزًا للأدوار التي نتقمّصها في حياتنا. وإلى جانب كلّ ذلك، ثمّة من يقرأ فيها دلالاتٍ دينية.


في زمنٍ تطغى فيه أحلام "الكشف والشفافية" بمفهومها الحداثي الغربي المعولم، الذي قد يعدّ الغموض والكتمان مثار شكّ، يمكن أن يبدو القناع تهديدًا. فلطالما تعامل الاستعمار مع كلّ ما استعصى كشفه في مجتمعاتنا على أنه عقبة أو مشكلة، سواءً كان ذلك في مسائل الفصل بين الخاص والعام، أو فهم نسيجنا المدني.


غير أن هذه الأسئلة لا تقف عند حدود الماضي فحسب؛ فنحن نعيش اليوم في منعطفٍ تكنولوجيٍّ جديد، حيث تتطور أدوات المراقبة وتتسع إمكانات تتبع الأفراد وكشف هويّاتهم بصورةٍ لم تكن بالحسبان من قبل.


 عندما أتأمل التمثال اليوم، وكأنه يستعدُّ لدخول المدينة متنكّرًا، أجد فيه بطلًا من أبطال هذا الزمن يحاول حماية ما تبقى من خصوصيته أو استقلاله، في زمنٍ يسعى إلى كشف كلّ شيء. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، غدا استخدام برامج التعرّف على الوجوه أمرًا متاحًا للجميع؛ يكفي أن يرفع أحدهم صورةً لشخصٍ على تطبيق معيّن حتى تظهر معلوماتٌ قد لا يكون الشخص نفسه على علمٍ بها. وقد جرّبت ذلك بنفسي: استخدمتُ صورتي فظهرت لي صور أخرى منشورة في مواقع مختلفة، بعضها مرفق باسمي، رغم أنني لم أكن أعلم أن أحدًا التقط لي تلك الصور أصلًا. أصبح البقاء مجهولًا تحديًا شبه مستحيل.


صحيحٌ أنّ الحرص على الخصوصية ليس أمرًا مُستجدًّا؛ فمن الناس من كان دائمًا يتفادى الكاميرات أو يمتنع عن مشاركة البيانات. أتذكّر صديقًا أيرلنديًّا مسنًّا كان يخشى بطاقات الائتمان، ربّما بفعل تجربة بلاده مع الاستعمار البريطاني وحساسيته العالية تجاه المنظومات الاستخباراتية المستبدّة وجمعها للمعلومات. ولكن الوضع اليوم تجاوز مسألة حصر المعلومات في جهةٍ ما؛ إذ باتت كلّ البيانات مترابطة ومحفوظة رقميًّا، وصار الربط بين الوجه والهوية أمرًا في متناول أيّ شخصٍ يمتلك صورتك.


أعود هنا إلى تمثال إسماعيل فتّاح وأتساءل: هل صار التنكّر شكلًا من أشكال التصدي في زمنٍ يصعُب فيه أن يختفي الإنسان تمامًا؟ هل سنضطر مستقبلًا إلى ارتداء أقنعةٍ حقيقيّةٍ أثناء سيرنا في المدينة، كي نتجنّب المراقبة الدائمة ونحافظ على حقّنا في البقاء مجهولين؟ وهل نحن على وشك بناء شخصيّاتٍ جديدة بالكامل في الفضاءات العامة، على غرار ما نفعل في ألعاب الفيديو، لنحمي ما تبقّى من خصوصيّتنا؟


قد يرى البعض في كلّ هذا إسقاطًا على عملٍ لا يحتمل كلّ هذه التفسيرات، أو تقويلًا للفنانٍ ما لم يقوله. لكنني أرى أنّ للمفردات البصرية ومفاهيمها سحرًا؛ فهي تحمل في طيّاتها ما قد يساعدنا على إيجاد طريقنا في زمنٍ كثر فيه المجهول.


By 7f1607f6-ec58-42e5-89c9-7ecdd29ff769 December 27, 2024
تأملات في الخير والشر وتطبيقهما
By 7f1607f6-ec58-42e5-89c9-7ecdd29ff769 September 3, 2024
في المجالات الفكرية، لا يرتبط انجذابنا للطروحات دائمًا بتوافقها مع الواقع، بل بكثير من الأحيان إلى تناسق الأفكار وبنيتها المتماسكة داخلياً. لكن الاعتماد على نظريات جاهزة دون مراعاة تعقيدات الواقع يؤدي إلى تبسيط الظواهر وفقدان الفهم العميق، مما يضعف القدرة على التعامل معها بفعالية.
By dudaproduae godaddy February 28, 2023
In this post, I am reflecting on two different interiors that share some commonalities: Luxury Resorts and workplace ‘Safe Spaces’. I find that both have a shared propensity for producing idealised, sanitised and utopian-like worlds in which uncomfortable realities are swept under the rug and replaced with more convenient ones.
By dudaproduae godaddy January 12, 2023
تأملات في الثقافة والاستعمار
More Posts
Share by: