"لماذا يلجأ الناس لتخدير أنفسهم؟"

December 27, 2024

في مقالته "لماذا يلجأ الناس لتخدير أنفسهم؟" يتساءل ليو تولستوي عن الانتشار السريع للتدخين والكحول وغيرها من المواد المخدِّرة، على الرغم من إدراك أغلب الناس لأضرارها، وعن وجود أولوياتٍ في الحياة أشدّ إلحاحًا تستحق تركيزهم. ويصل إلى أنّ السبب الأساسي يعود إلى غيابٍ روحانيّ من نوعٍ ما، يدفع البشر للهروب من المعاناة أو من صوت الضمير عبر التدخين والكحول في البحث عن اللذة المؤقتة. في نظره، هذه الأفعال علامةٌ على ضعف الإرادة أو العجز عن مواجهة الحياة.


سؤال تولستوي، ولو أنّه يتّخذ التدخين والكحول مثالًا، يتجاوزهما بالطبع. إذ ينبّهنا إلى تساؤلٍ أعمق يتعلّق بفهم الخير والشرّ: هل يكفي أن نُدرك عقليًّا أنّ سلوكًا ما خاطئٌ أو مضرّ كي نتوقّف عنه؟ فالسؤال ذاته بإمكانه أن يمتدّ إلى قضايا كبرى مثل الإضرار بالبيئة أو تجاهل العدالة أو التخلي عن المسؤوليات الاجتماعية.


قد نتوصّل إلى خلاصةٍ أولية وبسيطة: "المعرفة وحدها" لا تضمن بالضرورة تحوّل الوعي إلى فعلٍ يوميّ، لأنّ ثمّة عوامل أخرى تتشابك بحيث تجعل المسافة بين الوعي والممارسة أوسع بكثير من مجرّد اقتناعٍ أخلاقيّ. حين ننظر إلى ظاهرة التدخين، يقودنا تحليل انتشارها والتعلق بها إلى تجاوز التفسير المقتصر على "ضعف الإرادة" أو اختزالها في كونها وسيلة للهروب من مواجهة الواقع، نحو فهم أعمق لطبيعة هذه الظاهرة ودوافعها. فهناك جوانبٌ إدمانية تؤثّر في الجسد والعقل الباطن، فضلًا عن بُنى اجتماعيةٍ ولوبياتٍ اقتصاديةٍ تُروّج للتدخين كوسيلةٍ لتخفيف الضغوط أو للهروب من المشكلات. وبهذا، لا يعود تفسير السلوك مقتصرًا على إدراك الفرد للقيمة فقط، بل يتّسع ليشمل عمليات تهيِّئ الظروف لهذا السلوك أن يتحقق.


وفي السياق ذاته، تشير دراساتٌ وتجارب عديدةٌ إلى أنّ الإقلاع عن التدخين لا يرتبط بالإرادة وحدها، وأنّ الفشل في هذا المسعى قد يكشف عن قصورٍ في فهم الإدمان وطريقة التعامل مع الجسد والعقل، أكثر ممّا يكشف عن اختلالٍ في أخلاق الفرد. فبعض البرامج الأكثر فاعليّة في مكافحة الإدمان تدمج بين تعزيز فهم الجسد وفهم طبيعة الإدمان، وتدريب العقل الباطن، أو تطوير طرق تساعد الجسد على تجاوز تأثيرات الإعتماد على الدخان، وخلق بيئةٍ اجتماعيةٍ أو مؤسساتيةٍ داعمة، بدل الاكتفاء بتصنيف المدخّن باعتباره فاقدًا للإرادة أو معرّضًا للسقوط الأخلاقيّ.


يتسع هذا الفهم ليشمل مجالاتٍ أوسع تتعلق بالقيم الأخلاقية العليا، مثل تحقيق العدل، تعزيز الاحترام المتبادل، والتحرر من الاستغلال. فهذه الغايات لا تتحقق بمجرد الإقرار النظري بها، بل تتطلب تهيئة بيئات مؤاتية على مستوى السياسات، الاقتصاد، والثقافة، إضافة إلى العوامل النفسية والاجتماعية الفردية. وتتجلى هنا فكرة أنّ القيم ليست مجرد مفاهيم ندركها أو نقرنها بالنوايا، بل هي غالبًا ما تتبلور كنتائج لعمليات وسياقات تتيح للخير أن يظهر وللشرّ مجالًا كي يطفو على السطح.


في هذا الإطار، تبرز أهمية التعامل مع القيم بأسلوب يتجاوز كونها أفكارًا معلّقة أو مفاهيم نظرية مجرّدة، لتصبح ممارسات واقعية تنعكس في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. إدراك هذا البعد المركب يستدعي النظر إلى القيم لا كمفاهيم منفصلة، بل كجهود مترابطة تتطلب قراءة دقيقة وشاملة للواقع لفهم كيفية تحقيقها وتجسيدها. هذا الفهم يتيح التعرف على الظروف التي تمهد الطريق لترسيخ القيم وتجعل من تحقيقها أمرًا ممكنًا. وهكذا، يصبح السعي نحو القيم مشروعًا عمليًا متكاملًا يستند إلى وعي بالبنى الواقعية التي تحتضن القيم وتتيح لها أن تزدهر.



 لا تنكر هذه الرؤية وجود بعدٍ معنويٍّ في كلّ قيمةٍ نسعى إليها؛ فالإنسان يحتاج إلى معنى أعمق وهدفٍ يتجاوز الرغبة العاجلة أو التهرّب المؤقّت. لكنّ هذا الجانب المعنويّ يصبح أكثر حيويّةً عندما يتكامل مع الممارسات والظروف التي تُفعّل حضوره وتمنحه المجال للتأثير. فالشخص الذي يحاول التخلّي عن التدخين، أو يسعى إلى تغيير واقع ما، بحاجةٍ إلى إيمانٍ داخليٍّ بقيمة ما يفعل، وكذلك إلى بيئةٍ وأدواتٍ واقعيةٍ تسهّل عليه اختيار الأفعال الإيجابية والتشبّث بها.

ف

في هذا الصدد وبالعودة إلى تولستوي، نجد أنّ إشارته إلى غياب الإرادة أو الضعف الروحاني قد تصلح مدخلًا لفهم جانبٍ من الظاهرة، لكنّ اختزال المشكلة في ذلك فحسب يعني تجاهل العوامل الأخرى التي تُسهم في تكوين السلوك. والأمر مشابه في الحديث عن الخير والشرّ عمومًا: لا يمكن ربطهما دائمًا بقرارٍ فرديّ منفصلٍ عن الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي قد تساعد في بلورة القيم أو—على العكس—تعطّلها. وحين ندرك هذا التداخل، نتحرّر من الرؤية السطحيّة التي تفسِّر الأخلاق كخياراتٍ ذهنيّةٍ فقط، ونقترب أكثر من فهم القيم كتجليات لها أبعاد معنوية وواقعية.


يبدو أنّ سؤال "لماذا يلجأ الناس إلى تخدير أنفسهم؟" لا ينتظر إجابةً نهائيّة ولا يميل إلى إجاباتٍ قاطعة. بل يفتح بابًا أوسع للتفكير في المسافة بين إدراكنا لما يجب أن يكون وواقع ممارساتنا الفعليّة، وبين القيم التي نطمح إليها والشروط التي تُعرقل تحقّقها. فحين ندرك خطورة التدخين، أو ندرك مساعينا تجاه البيئة والعدالة، يبقى السؤال المُلِحّ: لماذا تظلّ بعض أفعالنا تدور في فلك الهرب أو التجاهل؟


ربّما يكمن التحدّي الحقيقيّ في فهم الخير والشرّ بوصفهما عمليّاتٍ منفتحة على سياقاتٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ ونفسيّة، لا مجرّد قراراتٍ فرديّةٍ منفصلةٍ عن محيطها. ولعلّنا نحتاج بدلاً عن البحث عن إجابات حاسمة، طرح المزيد من الأسئلة : كيف نعيد تشكيل بيئاتنا لتغدو أكثر دعمًا للقيم التي نؤمن بها؟ أين تنتهي مسؤوليّة الأفراد وتبدأ مسؤوليّة المجتمع في تحقيق القيم؟ ما هي البنى الواقعية للخير؟ في نهاية المطاف، قد يكون الاعتراف بتعقيد هذه المنظومة—وبحاجتنا المستمرة إلى التساؤل—هو الخيط الأهم الذي يقودنا نحو فهمٍ أشمل لعلاقة الإنسان بقيمه وأفعاله، وقدرتنا على تحقيقها. 


أين نحن من الأقنعة اليوم؟
By 7f1607f6-ec58-42e5-89c9-7ecdd29ff769 February 25, 2025
أين نحن من الأقنعة اليوم؟
By 7f1607f6-ec58-42e5-89c9-7ecdd29ff769 September 3, 2024
في المجالات الفكرية، لا يرتبط انجذابنا للطروحات دائمًا بتوافقها مع الواقع، بل بكثير من الأحيان إلى تناسق الأفكار وبنيتها المتماسكة داخلياً. لكن الاعتماد على نظريات جاهزة دون مراعاة تعقيدات الواقع يؤدي إلى تبسيط الظواهر وفقدان الفهم العميق، مما يضعف القدرة على التعامل معها بفعالية.
By dudaproduae godaddy February 28, 2023
In this post, I am reflecting on two different interiors that share some commonalities: Luxury Resorts and workplace ‘Safe Spaces’. I find that both have a shared propensity for producing idealised, sanitised and utopian-like worlds in which uncomfortable realities are swept under the rug and replaced with more convenient ones.
By dudaproduae godaddy January 12, 2023
تأملات في الثقافة والاستعمار
More Posts
Share by: